في عام 2013، جرت أحداث كثيرة تحت أقدام حزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب، فالحزب الذي حصل على مليون وثمانين ألف صوت في انتخابات 25 نونبر2011 ضعفت حماسته التي ظهرت في السنة الأولى من الحكم واختفى صقوره داخل البرلمان.
لكن المثير هو أنه اتخذ قرارات ذات تكلفة اجتماعية واقتصادية صعبة بالزيادة للمرة الثانية في أسعار المحروقات ورغم ذلك لم يخرج الشارع كما كان يعتقد المعارضون للحكومة الإسلامية، فلازال الحزب ورئيس حكومته عبد الإله بنكيران يحظى بشعبية واسعة لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة و جزء من الفئات الميسورة ذات التوجه التقليدي، فعدد كبير من المغاربة يعتقدون بالرغم من ضعف التدبير الحكومي بان جهات ما تعرقل عمل حكومة الإسلاميين الجدد وينتظرون الانطلاقة في وقت ما، وداخل هذا الفضاء من الاعتقادات خاض الحزب الحاكم في النصف الأول من سنة 2013 صراعات مفتوحة مع الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال حميد شباط، صراع انتهى بخروج الاستقلال وهو تحت وقع المفاجئة من عدم الاستجابة لطلبه بتحكيم ملكي، وخاضت حكومة الإسلاميين الجدد هذا الصراع مع أحزاب الحركة الوطنية (الاستقلال والاتحاد) وحزب الأصالة والمعاصرة وجناحه المدني المتمثل في حركة اليقظة المواطنة وسط مناخ إقليمي كان يتهاوى فيه إخوان مصر وتخرج فيه حركات احتجاجية في الشارع التونسي ضد نهضة الغنوشي، وداخل مناخ داخلي مغربي يتسم باستمرار احتجاجات المعطلين ووقفات الحقوقيين وسط حوارات أطلقتها القطاعات الوزارية الحكومية وانشطر فيها المجتمع المدني بين المشارك والمقاطع، مقابل ذلك ارتفعت وثيرة الصراع في الفضاء العمومي بين صف العلمانيين وصف الإسلاميين وصلت في نهاية سنة 2013 إلى حد تكفير زعامات حزبية ومثقفين محسوبين على الحركة الوطنية والقوى التقدمية والأمازيغية.
ورغم هذه الأحداث، فان الشهور الثلاثة الأخيرة من سنة 2013 قدمت مؤشرا رئيسيا هو أن الإسلاميين الجدد نجحوا في كل الاختبارات والحواجز، وأن جزءا كبيرا من الفاعلين السياسيين المركزيين بات يعتقد أن حكومة بنكيران الأولى والثانية ضامنة للاستقرار إلى جانب الملك ، فعام 2013 انتهى بثلاث رسائل سياسية تحملها الأيام الأخيرة من عمر سنة 2013، الصورة الأولى وهي الملك محمد السادس وإلى جانبه رئيس الحكومة في استقبال فريق الرجاء البيضاوي، فالبرغم من أن المناسبة هي حدث رياضي غير أنه يحمل علامات سياسية تدل على درجة كبيرة من التعايش بين مؤسستين في المغرب: المؤسسة الملكية ورئاسة الحكومة، الصورة الثانية، وهي اللغة القوية التي استعملها بنكيران في جلسة مناقشة السياسات العامة في اليوم الأخير من سنة 2013 (الثلاثاء 31 دجنبر ) لما أشار إلى شقق باريس وأموال موجهة نحو خارج المغرب، موجها الخطاب إلى حزب الاستقلال ومستعملا المرجعية الوطنية في مواجهة هذا الحزب التاريخي الذي يعتقد بأن قوته تتمثل في رفعه لشعار الوطنية.
وأما الصورة الثالثة، وهي قدرة بنكيران على تطويق الخلافات التي تحدث عنها البعض بعد تعيين الحكومة الثانية وإبعاد القيادي سعد الدين العثماني عنها، فالمجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية المنعقد يومي 28 و29 دجنبر اظهر أن بنكيران الأمين العام للحزب لم يتأثر من قرارات بنكيران رئيس الحكومة، ويبدو أن بنكيران حرص خلال السنتين الماضيتين على التواصل حول صعوبات التسيير الحكومي.
هذه الصور تقدم رسائل سياسية، ويبدو أن أمور كثيرة تغيرت في عام 2013. فبعد سنة وعشرة أشهر من الاختبارات بات من المؤكد أن الإسلاميين الجدد في العدالة والتنمية دخلوا مرحلة جديدة لعبت فيها ظروف إقليمية وداخلية دورا حاسما.
الوطن قبل "رابعة العدوية" : نجاح شخصي لبنكيران في إجهاض نواة الإخوان المسلمين في المغرب
"نحن حزب سياسي إسلامي لكنه مارس السياسةً أكثر من الإسلام "، هكذا تقدم قيادات العدالة والتنمية حزبها، فالحزب عاش لحظات صعبة في الثمانية أشهر الأولى من سنة 2013 ، راج معها اعتقاد بأن سقوط حكومة العدالة والتنمية وشيك، وارتفعت دعوات التقليد والمماثلة في مرحلة معينة بين إخوان مصر ونهضة تونس وعدالة المغرب، وبات المشهد وكأنه يقترب من العدالة والتنمية، لكن هدا الحزب أظهر قدرته مجددا على الانحناء أمام العواصف في مشهد يعيد التذكير بدعوات حله بأحداث 16 ماي 2003، فقيادة الحزب استطاعت لجم حماسة شبيبته والتأثير في جناحه الدعوي حركة التوحيد والإصلاح، ووصلت إلى درجة التضحية بسعد الدين العثماني في الخارجية، الوزارة التي كانت نافدة الحزب على العالم، فبنكيران ورفيقه عبدالله باها استطاعا إجهاض نواة حركة إخوانية للمسلمين في المغرب، إذ تمكنا تعويم حماس ومشاركات الحمداوي والهيلالي في اجتماعات إسلامية وُصفت بالتضامنية مع جناح الإخوان المسلمين، وبذلك، فان قيادة بنكيران ورفيقه عبد الله باها حالت دون تحول حركة التوحيد والإصلاح إلى جماعة إخوانية، فالإسلاميون الجدد في الحزب والحركة فهما أخيرا كون الوطن له أولوية عن شارع "رابعة العدوية"، ورغم هذه العملية الإجهاضية لنواة الإخوان داخل الحزب والحركة التي قام بها بنكيران ورفيقه باها، فإن حركة التوحيد والإصلاح لم تنقلب على رئيس الحكومة ولم تتحول إلى جماعة غولن التركية التي باتت تسبب أزمات لأردوغان بسبب صراعات حول المصالح.
وبدا الإسلاميون الجدد بالمقابل، حريصين على استمرار حكومتهم ولم يرتكبوا أخطاء في مواجهة أمين عام حزب الاستقلال حميد شباط، فانسحب شباط ولم تسقط حكومة بنكيران ودخل حزب التجمع الوطني للأحرار وباتت الحكومة ملقحة بطريقة جيدة في جسم يجمع الإسلاميين الجدد ورجالات الأحزاب ورجال السلطة والتقنوقراط القادمين من عالم الاقتصاد والأعمال. فبنكيران سمح بأكبر عملية تلقيح سياسي في تاريخ المغرب لحكومته ولفريقه من الإسلاميين الجدد .
نجاح الدولة في تلقيح الإسلاميين الجدد
لقد تم انقاد حكومة أستاذ الفيزياء أخيرا، فالأمر لا يتعلق بـ"إرادة ربانية" أو بحكومة معها "دعوات وقلوب المغاربة" أو كما يقول بنكيران إنه أينما حل وارتحل يقولون له: "الله يساعدك عليهم"، وإنما بإحساس وانتباه إلى أن وصول الإسلاميين الجدد إلى الحكم ساهم في تخفيف توترات الشارع وقدم صورة لنموذج مغربي مستقر في ظرف إقليمي وعربي صعب، فالإسلاميون الجدد المتمثلون في العدالة والتنمية ساعدهم مناخ عربي غير مستقر ومناخ مغربي داخلي ليس فيه بديل حزبي يحظى بالمشروعية، فأحزاب الحركة الوطنية هرمت وتسلمتها قيادات من الجيل الثالث ذات نزعة هجومية وتصارعية مدعومة بقيادات شابة لازالت تفتقد إلى التجربة، وبذلك فأحزاب الحركة الوطنية هرمت تنظيميا وباتت معرضة لمرحلة فراغ قادم لا أحد يعرف مدته، وزعامات شباط وإدريس لشكر من المتوقع أن ترتكب أخطاء أخرى ستضيف للعدالة والتنمية عشرية جديدة من الحكومة، ومقابل النزعة الهجومية لأحزاب الحركة الوطنية بدا حزب الأصالة والمعاصرة يغير مواقفه من الإسلاميين الجدد وهو تغيير من شأنه أن يجعله يقترب تدريجيا ويبحث عن عناصر الالتقائية مع العدالة والتنمية قبل الانتخابات المقبلة، هذا التغيير الذي من شأنه أن يعصف بجيل آخر من قيادات حزب الأصالة والمعاصرة بعد الجيل الأول الذي اختفى مع تسلم الباكوري للأمانة العامة للحزب.
استقرار وسط توازنات مضطربة
ورغم النجاحات التي حققها الإسلاميون الجدد، وحالة الاستقرار المبنية على تعايش بين الإسلاميين الجدد والمؤسسة الملكية ، فان هذا الاستقرار لازال يستند على توازنات مضطربة ،فالدستور الجديد لسنة 2011 لازال إلى اليوم "طفلا رضيعا" لم يكتمل نموه نتيجة الإيقاع البطيء في إعداد القوانين التنظيمية المكملة له ، توازنات يتضارب فيها القديم بالجديد ،فمجلس المستشارين الغرفة الثانية يستمر في الاشتغال بنظام داخلي قديم و بثلث فقد انتدابه وحل المجلس الدستوري المغربي ،في سابقة دستورية خطيرة، محل الهيئة الناخبة ومدد انتداب ثلث من مجلس المستشارين فقد تمثيليته بقوة القانون.
ولازالت المعارضة ضعيفة ووهنة بشكل يفقد اللعبة السياسية البرلمانية توازناتها ،فكثيرا ما يتحول فريق العدالة والتنمية إلى لعب دور المعارضة والأغلبية في الحضور والمراقبة ،لكن المثير، هو أن ضعف المعارضة البرلمانية يجعل تدريجيا دستور 2011 ينزل بروح دستور 1996، فرغم أن مجلس النواب سلطة تشريعية فان الحكومة منعت النواب من تقديم مقترحات قوانين تنظيمية في اجتهاد وقع فيه تضارب في المواقف بين الحكومة والأمين العام للحكومة .
هذه المعارضة البرلمانية، التي مارست حقها الدستوري في الطعن امام المجلس الدستوري في مرتين، ولكن سؤالا كبيرا بات يطرح حول مذكرات هذه المعارضة التي هي عبارة عن "إنشاءات سياسية" موجهة إلى المجلس الدستوري يخرج فيها قضاة هذا المجلس بتأويلات سياسية تنذر بتراجع عن مقتضيات دستور 2011 ،فبمناسبة الطعن الذي تقدم به 120 نائب برلماني يثيرون فيه قضية عدم دستورية قانون المالية الذي تقدمت به الحكومة لعدم تنصيبها، أجاب المجلس الدستوري في حيثية غريبة وعجيبة بان "...تحديد الهيكل التنظيمي للحكومة وتركيبها وتوزيع الصلاحيات بين أعضائها ( ...) أمور تعود إلى الملك ورئيس الحكومة وفق أحكام الفصلين 47و90 من الدستور ..." فرغم أن الملك أعطى إشارات دستورية كبيرة منذ بداية تطبيق دستور 2011 بان مجال الهيكلة الحكومية يعود لرئيس الحكومة، فان المجلس الدستوري جاء بتأويل يؤسس لقاعدة جديدة لا علاقة لها بمضمون الفصل 47 الذي ينص على التعيين والإعفاء .
ولوحظ في سنة 2013، أن مجال المبادرات التشريعية بات موزعا ودخل فيه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي لا احد يعرف اليوم ما هي حدوده؟ وأين سيتوقف ؟ فإذا كان هذا المجلس الوطني قد لعب دورا دبلوماسيا كبيرا في قضية الصحراء، فان طريقة اشتغاله في ملفات حقوقية داخلية من المتوقع جدا أن تنتج مشاكل وتقود إلى اصطدامات مع مؤسسات البرلمان والحكومة، فالتوازن مفقود بين إيقاع المجلس الوطني لحقوق الإنسان وإيقاع عمل الحكومة والبرلمان، أكثر من ذلك فان عدم التوازن في موارده البشرية الموجودة في المجلس الوطني لحقوق الإنسان يجعل النظر إلى المؤسسة بأنها يسارية صرفة مما قد ينتج درجة كبيرة من الحساسية مع تقاريره وتوصياته في المستقبل.
وفي الفضاءات العمومية غير الرسمية، استمرت جماعة العدل والإحسان في تطورها بعد وفاة زعيمها الروحي الأستاذ عبد السلام ياسين، عكس الاعتقادات التي راجت في أواخر سنة 2012، فالجماعة والتي تقدر التقارير عدد أعضائها بخمسمائة ألف منخرط، أتبثت من جديد وسط أزمات التنظيمات الإسلامية في المنطقة العربية أنها جماعة دعوية، تربوية، فكرية تنظيمية سلمية ذات بعد سياسي، كما يقدمها قادتها المنفتحون على مناقشة الديمقراطية، فالجماعة باتت جناحا عالميا ينافس الإخوان المسلمين في بعض الدول الأوروبية، ويلاحظ داخليا أن جماعة العدل والإحسان ساهمت في نجاح حزب العدالة والتنمية الحاكم وذلك على مستويين اثنين:
الأول، استمرار إفراغها للشارع العمومي وابتعادها عن فضاء الاحتجاج.
الثاني، هو إحساس قيادات العدالة والتنمية كل مساحة فاشلة في تجربتها هي مساحة ستكتسحها جماعة العدل والإحسان، التي رغم شكلها التنظيمي الدعوي والتربوي والفكري فإنها تصنف اليوم كحزب كبير بالمفهوم السوسيولوجي ينقصه الترخيص القانوني، وبالمقابل، لازالت جماعة العدل والإحسان تلعب دورا توازنيا في المجتمع يحد من انتشار السلفية المتشددة (الجهادية وأخواتها ).
وبدت التوازنات في الشارع مضطربة خلال سنة 2013، فالحركات الاحتجاجية تغيرت معالمها مقارنة بسنوات 2011 و2012، وبدت تتجه نحو المحلي أكثر من الوطني، فضعف تمثيلية ووساطة المجالس الجماعية ينتج بشكل تدريجي فضاءات عمومية محلية للاحتجاج أمام العمالات والولايات.
ثلاث سيناريوهات محتملة في سنة 2014
وتجعل هذه الصورة، التي تحمل حالة الاستقرار وسط توازنات مضطربة، المشهد السياسي الداخلي مقبل في السنة الماضية مقبل على ثلاث سيناريوهات مختلفة :
السيناريو الأول، وهو أن تنتهي التمارين السياسية في حكومة بنكيران الثانية، ويبدأ ترسيخ فكرة آن حكومة بنكيران الثانية ستنهي ولايتها الانتخابية، وأن تشرع هذه الحكومة في مباشرة إصلاحات في شكل عقد امتياز سياسي مراقب، فالحكومة حجمت من سقف تطلعاتها وراكمت تجربة تجعلها قادرة على الاشتغال على ملفات كالتقاعد والمقاصة والقضاء دون الوصول إلى القطاعات الإستراتيجية العامة للدولة، وهو سيناريو يجعل حكومة بنكيران الثانية تدخل في مرحلة أخرى من التمارين هي تمارين الإصلاحات المحدودة.
السيناريو الثاني، مزيد من الإرهاق للإسلاميين الجدد الحاكمين، وذلك باعتماد تمرين سياسي جديد يعلن فيه حزب التقدم والاشتراكية انسحابه، هذا الحزب الذي بدت تظهر عليه بعض علامات التو ثر في أواخر سنة 2013 بعد الإعلان عن حكومة بنكيران الثانية، ونفس التمرين ينطبق على إمكانية خروج حزب الحركة الشعبية من الحكومة ، وأن يعمد بنكيران بعد ذلك إلى إجراء مفاوضات حكومية أخرى لمدة شهور مع حزب الاتحاد الدستوري، هذا السيناريو الذي يمكن تسميته بسيناريو إرهاق الإسلاميين الجدد من شانه أن يعطل من جديد إكمال النصوص والتنظيمات المنصوص عليها في دستور 2011، وهو يحمل إمكانية اللجوء إلى انتخابات سابقة لأوانها تعيد نفس وضع انتخابات 25 نونبر.
السيناريو الثالث، انسحاب لأحد مكونات التحالف الحكومي الحالي وعدم رغبة مكونات المعارضة الانضمام لحكومة بنكيران ثالثة، أو إسقاط حكومة الإسلاميين الجدد عن طريق مجلس النواب وذلك بجمع ائتلاف من المعارضة والحكومة بين الأحزاب المسماة بالكتلة ومجموعة الثمانية السابقة، وهو سيناريو خطير لأنه سيعيد المغرب إلى أجواء ما قبل انتخابات 25 نونبر، ولأنه لحد الآن لم تستطع أحزاب المعارضة إنتاج نخب بديلة، فدوران النخب لازال بطيئا، فبمناسبة الحكومة الأولى والثانية لبنكيران رشحت الأحزاب السياسية وزراء جزء كبير منهم كان موجودا في حكومة عباس الفاسي ( الاستقلال، التقدم والاشتراكية، التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية )، وهو ما يسهل عملية عودة التوتر والاحتجاج إلى الشارع.
مخاطر جديدة محتملة في سنة 2014
وخارج هذه السيناريوهات المرتبطة بعمل الحكومة والبرلمان وانتظارات الشارع، فانه من المتوقع ان تظهر بعض المخاطر منها ما هو موجود في سنة 2013 ، هذه المخاطر تتوزع ما بين مخاطر قادمة من أسفل الدولة ومخاطر قادمة من خارج الدولة :
النوع الأول من المخاطر، وهو انزلاق الصراع بين الإسلاميين وما ينعت بالعلمانيين، فالمجتمع بدا يشهد هذا النوع من الاصطفاف الذي بدا يفرز تنظيمات مدنية جمعوية وتنظيمات مضادة، من المتوقع أن تنشأ بينها دعوات للتكفير في الفضاءات العمومية لا أحد يمكنه أن يتوقع بنتائجها بما فيها خطر الانزلاق نحو الدموية.
النوع الثاني من المخاطر، موجة مغاربة سوريا ، بعد المغاربة الأفغان ومغاربة الزرقاوي بدأت ملامح مغاربة سوريا، فالمغاربة في سوريا لم يعودوا مجرد موارد بشرية انتحارية وإنما أصبحوا قياديين يؤسسون جماعات متطرفة، ومن المتوقع جدا أن تبدأ الأزمة السورية في الانفراج نتيجة التقارب الإيراني الأمريكي، مما يعني بداية تفكك الخلايا الإرهابية في سوريا وعودة أفرادها إلى دولهم، فالمغاربة السوريون يقدرون اليوم بحوالي 2000 مغربي، وان كانت الأرقام الرسمية تتحدث عن 1000مغربي، وبين الرقمين تظهر صعوبة ضبط هؤلاء عدديا وجغرافيا حسب المناطق المنتمين إليها ومهنيا، فهم يمتدون من العاطل إلى أستاذ السلك الثاني إلى السلفي المدافع عن السلفيين المعتقلين في السجون، فالجغرافيا الوحيدة الواضحة اليوم هي مثلث الشمال الممتد مابين تطوان الفنيدق وسبتة، إذ تقدر بعض التقارير الاسبانية عدد السلفيين بما فيهم المتشددين ب 17000 فرد.
النوع الثالث من المخاطر، موجة الشيعة المغاربة، فالأرقام تشير إلى رقم يتجاوز الستة مائة ألف شيعي ( 607,860 ) مغربي منهم 18000 شيعي فقط في جزء من الجالية المغربية بإحدى دول أوروبا، لكن الخطورة تزداد أكثر لما يصبح الحقل الديني غير مهيأ بموارد بشرية قادرة على مواجهة الفكر الديني الشيعي، فالمغرب لا يتوفر على علماء دين بمفهوم عالم الأديان، ويبدو أن إستراتيجية وزارة الأوقاف تقف في حدود سنة 2009، بمعنى أنها لم تعد تساير الدور التوازني الذي من المتوقع أن يلعبه الإسلام المغربي في مواجهة الإسلام الإيراني في أوروبا والمنطقة المغاربية ومنطقة الساحل والصحراء، فالدور الإقليمي الجديد للمغرب في المنطقة يشمل الخبرة الأمنية والخبرة البشرية الدينية، ومن المتوقع أن تحدث المواجهة مع إيران إقليميا في المجال الديني، خاصة أن التقارب الغربي الإيراني يجعل التشيع مقبولا لدى الغربيين مقارنة مع الوهابية.
النوع الرابع من المخاطر، أن يتحول أسلوب كريستوفر روس من الوساطة إلى أسلوب المقيم العام، هذا المبعوث الأممي الذي لا يلعب دور الوساطة المحدد له من طرف الأمين العام للأمم المتحدة، وإنما انحرف عن دور الوساطة وبات يلعب دور الطرف المنحاز في النزاع، ومن المتوقع أن يقود إلى مخاطر في ملف الصحراء إذا لم توضع أمامه فرامل توقفه في الرباط وتجعل لقاءه مقتصرا على أطراف التفاوض، فالمعلومات تشير إلى انه يمد يده نحو موضوع الثروات في المناطق الجنوبية، فكريستوفر روس بات يسابق إنزال النموذج التنموي المغربي المعلن عنه من طرف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
النوع الخامس من المخاطر، متوقع من النظام الجزائري، فالجزائر مستمرة في دبلوماسية الرشوة داخل الملتقيات الدولية وبدأت في إعداد جيل تنسبه إلى البوليساريو وتستعد لإدخاله إلى الجامعات الأوروبية والأمريكية، لكن الخطورة هي سعي النظام الجزائري إلى المزاوجة بين أسلوب دبلوماسية الرشوة دوليا والتحريض على الإرهاب إقليميا، فبعد الفشل سنة 2009 في توجيه جماعة مختار بلمختار نحو حدودها الجنوبية الغربية مع المغرب، تثار تساؤلات اليوم عن الموطن الجديد لجماعة مختار بلمختار الذي صنعته المخابرات الجزائرية، فجماعة مختار بلمختار تمارس استقطابا كبيرا داخل مخيمات تندوف بتواطؤ جزائري غامض الأهداف لحد الآن، وبذلك، فبقدر ما تتزايد الصعوبات أمام الرئيس بوتفليقة والجنرالات الثمانية عشر الذين يحكمون الجزائر تصبح كل المغامرات محتملة مع دول الجوار بما فيها استعمال وتوظيف الجماعات الإرهابية.
*رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات


0 التعليقات:
إرسال تعليق